تخيل أن تستيقظ صباحًا، تنظر إلى والدتك، وتعرف ملامحها جيدًا. نفس العينين، ونفس الصوت، ونفس الابتسامة… لكنك تشعر يقينًا أنها ليست أمك، بل شخص انتحل شخصيتها.قد يبدو الأمر وكأنه قصة خيال أو فيلم نفسي، لكنه اضطراب حقيقي وثّقه الأطباء منذ أكثر من مئة عام، ويُعرف باسم متلازمة كابغراس، وهي واحدة من أغرب الاضطرابات التي عرفها علم الأعصاب.
لكن كيف يمكن للإنسان أن يتعرف على وجه أمه، وفي الوقت نفسه يقتنع أنها ليست هي؟
تكمن الإجابة في أن دماغ المريض لا يفقد القدرة على التعرف على الوجوه، بل يفقد الرابط العاطفي المرتبط بها. فمركز التعرف على الوجوه يعمل بصورة طبيعية، لكن الإشارات التي تصل عادة إلى المناطق المسؤولة عن المشاعر تكون معطلة أو ضعيفة.ولأن الدماغ لا يحب وجود التناقضات، فإنه يحاول تفسير هذا الشعور الغريب، فيقنع صاحبه بأن الشخص الذي أمامه ليس والدته، بل شخص يشبهها أو انتحل هويتها.
من أول من اكتشف هذه المتلازمة؟
في عام 1923، وصف الطبيب النفسي الفرنسي جوزيف كابغراس هذه الحالة لأول مرة، بعدما قابل مريضة كانت تؤمن أن أفراد عائلتها قد استُبدلوا بأشخاص يشبهونهم تمامًا. ومنذ ذلك الوقت حملت المتلازمة اسمه تكريمًا له.
كيف يتعرف الدماغ على الوجوه؟
تمر عملية التعرف على الوجه بعدة مراحل معقدة داخل الدماغ.
1. الاستقبال البصري
عندما تنظر إلى أي شخص، تلتقط العين الضوء المنعكس عنه، ثم ترسل الإشارات عبر العصب البصري إلى القشرة البصرية في مؤخرة الدماغ، حيث تبدأ الصورة بالتفكك إلى خطوط، وألوان، وزوايا، وظلال.
2. التعرف على الوجه
بعد ذلك تنتقل هذه المعلومات إلى منطقة متخصصة تُسمى منطقة الوجه المغزلية هذه المنطقة لا تتعامل مع الوجه كأي جسم آخر، بل تحلل تفاصيله الدقيقة، مثل المسافة بين العينين، وشكل الأنف، والفم، والفك، ثم تقارنها بالوجوه المخزنة في الذاكرة حتى تتعرف على هوية الشخص.
ما الجزء المسؤول عن ربط الوجه بالمشاعر؟
بعد أن يتعرف الدماغ على الوجه، يرسل إشارات إلى اللوزة الدماغية ، وهي المسؤولة عن إعطاء هذا الوجه معناه العاطفي.فعندما ترى والدتك، لا يتعرف دماغك على ملامحها فقط، بل يربطها تلقائيًا بمشاعر الأمان، والحنان، والذكريات.كما تساعد القشرة الحزامية الأمامية في دمج هذه المشاعر مع طريقة استجابتنا وتصرفاتنا تجاه الشخص الذي نراه.
لماذا يعتقد المريض أن الشخص “محتال” وليس مجرد غريب؟
لأن المشكلة ليست في الرؤية.المريض يرى ملامح أمه بدقة، ويعرف صوتها، وطريقة مشيها، وحتى ملابسها. مركز الرؤية يخبره أن هذه أمه بالفعل.لكن في المقابل، لا يشعر بأي ألفة أو ارتباط عاطفي تجاهها.وهنا يبدأ الدماغ بمحاولة تفسير هذا التناقض، فيستنتج تفسيرًا يبدو منطقيًا بالنسبة للمريض:“هذه ليست أمي… بل شخص يشبهها تمامًا ويحاول خداعي.”لذلك لا يعتقد أنها امرأة غريبة، بل يعتقد أنها نسخة مطابقة للأصل.
لماذا تحدث هذه المتلازمة؟
لا تظهر متلازمة كابغراس من تلقاء نفسها، بل ترتبط غالبًا بحالات تؤثر في الدماغ، مثل بعض إصابات الرأس، أو مرض ألزهايمر، أو بعض حالات الفصام، أو السكتات الدماغية.كما أنها لا تقتصر على الاعتقاد بأن الأم مزيفة، فقد يعتقد بعض المرضى أن زوجهم، أو أبناءهم، أو أصدقاءهم، أو حتى حيواناتهم الأليفة قد استُبدلوا بنسخ مطابقة.
في النهاية
تكشف متلازمة كابغراس حقيقة مدهشة؛ فنحن لا نحب الأشخاص بعيوننا فقط، بل بالروابط العصبية التي يبنيها الدماغ بين وجوههم ومشاعرنا.وعندما ينقطع هذا الرابط، قد يبقى الوجه كما هو، وقد تبقى الملامح نفسها… لكن صاحبه يختفي في نظرنا.وربما تذكرنا هذه المتلازمة بأن أعقد عضو في أجسامنا ليس القلب، بل الدماغ؛ فهو قادر على أن يجعلنا نرى الحقيقة بأعيننا… ثم يقنعنا بأنها ليست الحقيقة.


مقال مثير للاهتمام احسنتِ 🤍 توني وصلني أشعار مقالك الجديد بروح اقرأه
احببت الفكره المقال جدا غريبه ومعلومه صادمه