التلاعب النفسي ليس دائمًا واضحًا كما نتخيله. أحيانًا لا يأتي على شكل تهديد أو سيطرة مباشرة، بل يظهر في كلمات بسيطة، أو تصرفات تبدو عادية، أو مواقف تجعلك تشعر بالذنب دون أن تعرف لماذا. وقد لا تكتشف أنك كنت تتعرض للتلاعب إلا بعد انتهاء العلاقة أو الموقف، عندما تبدأ بإعادة التفكير في كل ما حدث.
في الجزء الأول من التلاعب النفسي تحدثت عن أهم العلامات والأساليب التي قد يتعرض لها الشخص. أما في هذا الجزء، فسأتحدث عن بعض الأساليب بشكل أعمق، وكيف يمكن التعامل معها.
والهدف هنا ليس تصنيف الناس إلى «متلاعبين» من أول موقف، لأن الإنسان قد يخطئ أو يتصرف بطريقة سيئة دون أن تكون لديه نية للتلاعب. ما يهم هو النمط المتكرر، خصوصًا عندما يُستخدم السلوك للضغط على الطرف الآخر أو التحكم في قراراته ومشاعره.
واليوم سأتحدث عن بعض أساليب التلاعب، مستندًا إلى كتاب The 48 Laws of Power، بالإضافة إلى ملاحظات وتجارب شخصية.
أولًا: «حرك المياه لتصطاد الأسماك»
يشير القانون 39 من الكتاب إلى فكرة الاستفزاز وإثارة الانفعالات.
كيف يحدث ذلك؟
قد يتعمد شخص استفزازك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، سواء من خلال كلامه أو تصرفاته، حتى تفقد هدوءك وتتصرف تحت تأثير الغضب بدل التفكير.
ما الهدف؟
عندما تفقد السيطرة على مشاعرك، قد تقول شيئًا لا تقصده أو تتخذ قرارًا تندم عليه لاحقًا، وقد يستغل الطرف الآخر ما قلته .
لكن ليس كل استفزاز تلاعبًا. الفرق يظهر عندما يصبح الاستفزاز نمطا متكرر ومقصودا للحصول على رد فعل معين منك.
ثانيًا: «حافظ على نظافة يديك»
يشير القانون 26 إلى فكرة تجنب تحمل مسؤولية الأفعال السيئة، وإبقاء صورة الشخص نظيفة أمام الآخرين.
كيف يحدث ذلك؟
قد يحاول شخص دفعك إلى القيام بتصرف خاطئ أو تحمل مسؤولية شيء هو من بدأه، مثل أن يحرضك على مواجهة شخص آخر، أو يدفعك إلى إفشاء سر، ثم يتراجع هو ويتركك تواجه النتائج وحدك.
ما الهدف؟
أن يظهر أمام الآخرين بصورة الشخص اللطيف، بينما تنتقل المسؤولية والغضب إليك.
وهذا النوع من السلوك قد يظهر في الصداقات أو بيئات العمل، خصوصًا عندما يستغل شخص ثقة الآخرين به ويجعل غيره يتحمل نتائج قراراته.
ثالثًا: عزل الشخص عن محيطه
يشير القانون 18 إلى فكرة
تحدث بعض العلاقات المتلاعبة عندما يحاول أحد الطرفين إبعاد الآخر تدريجيًا عن الأشخاص الذين يمكن أن يقدموا له الدعم.
قد يبدأ الأمر بجمل تبدو بسيطة مثل:
«أهلك ما يفهمونك.»
«أصدقاؤك ما يحبونك فعلًا.»
«أنا الشخص الوحيد الذي يهتم بك.»
ومع تكرار هذه الرسائل، قد يبدأ الشخص بالابتعاد عن محيطه والاعتماد بشكل أكبر على الطرف المتلاعب.
ملاحظة: هذه ليست الطريقة التي قصدها القانون 18 في الكتاب حرفيًا؛ القانون يتحدث عن مخاطر العزلة، بينما يمكن استخدام العزل الاجتماعي في بعض العلاقات كوسيلة للسيطرة.
ملاحظات وتجارب شخصية
1. تأنيب الضمير
كيف يحدث؟
قد يقول لك شخص:
«لو كنت تحبني فعلًا، ما كنت سويت جذي.»
أو:
«أنا سويت كل هذا عشانك، لكن أنت ما تقدر أي شيء أسويه.»
ما الهدف؟
دفعك إلى الشعور بالذنب حتى تتراجع عن موقفك أو تفعل ما يريده.
لكن التعبير عن المشاعر أو الشعور بالخذلان ليس تلاعبًا بحد ذاته. يصبح الأمر تلاعبيًا عندما يُستخدم الشعور بالذنب بشكل متكرر للضغط عليك وإجبارك على شي لا تريده.
2. التشكيك في الذاكرة والإدراك
قد يحدث أن يخبرك شخص بشيء، ثم عندما تذكره بما قاله لاحقًا، ينكر حدوثه تمامًا:
«أنا ما قلت جذي.»
«أنت تتخيل.»
«هذا الشي ما صار أصلًا.»
إذا أصبح هذا نمطًا متكررًا يجعلك تشك باستمرار في ذاكرتك وإدراكك للأحداث، فقد يدخل في سلوك يُعرف باسم Gaslighting، وهو نوع من التلاعب يجعل الشخص يشك في تفسيره للواقع وفي ذاكرته وثقته بنفسه.
3. الصمت العقابي
الصمت ليس دائمًا تلاعبًا. أحيانًا يحتاج الإنسان إلى الابتعاد قليلًا حتى يهدأ.
لكن الفرق يظهر في النية والطريقة.
إذا كان الشخص يستخدم التجاهل المتعمد كوسيلة لمعاقبتك، ودفعك إلى الاعتذار أو التراجع عن موقفك حتى عندما لم تخطئ، فقد يتحول الصمت إلى وسيلة ضغط.
4. لعب دور الضحية
قد تواجه شخصًا بسبب خطأ ارتكبه، لكنه بدل أن يناقش الخطأ نفسه، يحول الحديث بالكامل إلى معاناته ومشاكله وكيف أن الجميع يظلمه.
وفجأة تجد نفسك أنت الذي تعتذر، بينما السؤال الأساسي اختفى تمامًا.
التعبير عن المعاناة ليس تلاعبًا بحد ذاته، لكن استخدام المعاناة باستمرار للهروب من المسؤولية أو تحويل اللوم إلى الطرف الآخر قد يصبح وسيلة تلاعب.
5. التقليل من شأنك تحت مسمى المزاح
قد يقول لك شخص كلامًا جارحًا أو ينتقدك بطريقة مهينة، وعندما تظهر انزعاجك يقول:
«أنت حساس جدًا.»
«كنت أمزح فقط.»
المشكلة هنا ليست في المزاح وحده، بل في استخدام المزاح كغطاء للإهانة.
وإذا تكرر الأمر، فقد يبدأ الشخص بالتقليل من ثقتك بنفسك، ثم يجعلك تشك حتى في حقك في الانزعاج.
كيف نتعامل مع الشخص المتلاعب؟
أول شيء: لا تمنحه معلومات عن نقاط ضعفك إذا لاحظت أنه يستخدمها ضدك.
ليس المطلوب أن تخفي مشاعرك عن الجميع، لكن عندما تلاحظ أن شخصًا يستغل ما تخبره به لإيذائك أو الضغط عليك، فمن حقك ان لا تخبره.
ثانيًا: لا تمنحه رد الفعل الذي يبحث عنه.
بعض أساليب التلاعب تعتمد على دفعك إلى الغضب أو الانهيار أو الدفاع المستمر عن نفسك. لذلك، حاول أن تحافظ على هدوئك، وخذ وقتك قبل الرد بدل أن تتصرف تحت تأثير الانفعال.
ثالثًا: ضع حدودًا واضحة.
إذا كان شخص يتجاوز حدودك باستمرار، أخبره بوضوح بما تقبله وما لا تقبله، ولا تدخل في نقاش لا ينتهي لإثبات أنك محق.
رابعًا: قلل التواصل إذا استمر السلوك.
إذا لاحظت أن العلاقة أصبحت مؤذية وأن الشخص يكرر الأساليب نفسها رغم وضع الحدود، فمن حقك تقليل التواصل معه عندما يكون ذلك ممكنًا.
وفي بعض العلاقات، خصوصًا مع الأشخاص الذين لا يمكنك الابتعاد عنهم تمامًا، قد يكون الحل هو جعل العلاقة أكثر سطحية، وتقليل المعلومات الشخصية التي تشاركها معهم.
وأهم شيء:
لا تحاول الفوز بكل نقاش.
أحيانًا يكون هدف الشخص المتلاعب ليس الوصول إلى الحقيقة، بل إبقاؤك في دائرة من التبرير والدفاع والغضب.
النهاية
التلاعب النفسي ليس دائمًا واضحًا، ولهذا فإن الوعي به لا يعني أن نشك في كل شخص حولنا. ليس كل شخص يخطئ متلاعبًا، وليس كل صمت عقابًا، وليس كل مزحة إهانة مقصودة.
المهم هو أن نلاحظ النمط:
هل يتكرر السلوك؟
هل يجعلك تشعر بالذنب باستمرار؟
هل يتم استخدام نقاط ضعفك ضدك؟
هل تتحمل المسؤولية دائمًا بينما يهرب الطرف الآخر منها؟
وهل تشعر أنك مضطر إلى تغيير قراراتك ومشاعرك باستمرار حتى ترضي هذا الشخص؟
إذا تكرر ذلك، فقد لا تكون أمام مجرد خلاف عابر، بل أمام نمط من السلوك يستحق أن تنتبه إليه.
أتمنى أنكم استفدتوا من هذا الجزء، وإذا مرّ عليكم موقف ولم تعرفوا هل كان تلاعبًا نفسيًا أم مجرد خلاف عادي، اكتبوا لي عنه في التعليقات أو الخاص، وسأحاول مساعدتكم في فهم السلوك من أكثر من زاوية.


صراحه أنا مره مره حبيت المقال الي فات عن ذا الموضوع وحبيت ذا برضوا. ابداااع لاعلى درجه
خياللل