في أنحاء كثيرة من العالم نجد تماثيل بوذا بعيون نصف مغمضة وابتسامة هادئة. توضع في الحدائق، والمنازل، ومراكز التأمل، حتى أصبحت رمزًا عالميًا للسلام والسكينة. لكن من كان هذا الرجل؟ وهل كان إلهًا كما يعتقد البعض؟ ولماذا بقيت أفكاره تؤثر في ملايين البشر حتى اليوم، حتى في أشخاص لا يدينون بالبوذية؟
من هو بوذا؟
وُلد سيدهارتا غوتاما في أسرة ملكية في شمال الهند أو ما يُعرف اليوم بمنطقة نيبال، في القرن السادس قبل الميلاد. وتروي الروايات البوذية أن والدته حلمت قبل ولادته بفيل أبيض، ففسّر الحكماء ذلك بأن الطفل سيصبح إما ملكًا عظيمًا أو معلمًا روحيًا يغيّر العالم.
كان والده يريد له أن يصبح حاكمًا قويًا، لذلك حاول إبعاده عن كل ما يذكّره بمعاناة البشر، فأحاطه بالترف وأخفى عنه المرض والشيخوخة والموت.
لكن عندما بلغ التاسعة والعشرين من عمره، خرج من القصر لأول مرة ورأى رجلًا عجوزًا، ثم مريضًا، ثم جنازة. عندها أدرك أن الحياة ليست كما صُورت له، وأن المعاناة جزء لا مفر منه من الوجود الإنساني.
ترك سيدهارتا القصر، وتخلى عن ثروته، وعاش سنوات من الزهد والتأمل باحثًا عن سبب المعاناة وكيفية التحرر منها. وبعد رحلة طويلة من البحث، جلس تحت شجرة التين، وهناك وصل إلى ما سمّاه البوذيون “الاستنارة”. ومنذ ذلك اليوم عُرف باسم بوذا، أي “المستنير”.
هل كان بوذا إلهًا؟
الإجابة: لا.
في البوذية التقليدية لا يُعتبر بوذا إلهًا، ولا نبيًا بالمعنى المعروف في الديانات الإبراهيمية، بل إنسانًا وصل إلى أعلى درجات الفهم والحكمة، ورأى أن أي إنسان يستطيع أن يسلك الطريق نفسه إذا اجتهد في تهذيب نفسه.
ومع مرور الزمن ظهرت تقاليد بوذية مختلفة، وبعضها يحيط بوذا بدرجة كبيرة من التبجيل، وهو ما يجعل بعض الناس يظنون أنه إله، لكن هذا ليس المفهوم الأساسي في البوذية.
لماذا تبدو تماثيله هادئة إلى هذا الحد؟
ليست ملامح تماثيل بوذا عشوائية، بل تحمل كل تفصيلة فيها معنى رمزيًا:
العينان نصف المغمضتين: ترمزان إلى التأمل والتركيز الداخلي.
الابتسامة الهادئة: لا تعبر عن الفرح المؤقت، بل عن السلام الداخلي والتحرر من القلق.
الأذنان الطويلتان: تذكّران بحياته السابقة حين كان أميرًا يرتدي أقراطًا ذهبية ثقيلة، ثم تخلى عن مظاهر الثراء.
العقدة أعلى الرأس: ترمز إلى الحكمة والسمو الروحي.
وضعية الجلوس المتزنة: تعبر عن الثبات، والتوازن، والسكينة.
ولهذا أصبحت تماثيله رمزًا للطمأنينة حتى لدى أشخاص لا يعرفون شيئًا عن البوذية.
هل يمكن أن يستفيد غير البوذيين من فلسفته؟
الإجابة: نعم.
اليوم تُستخدم بعض الأفكار المستوحاة من تعاليم بوذا في مجالات علم النفس والصحة النفسية، مثل التأمل واليقظة الذهنية، والتي تساعد كثيرًا من الناس على تقليل التوتر، وتحسين التركيز، والتعامل مع القلق والانفعالات
كما تشجع فلسفته على تقبّل تغيرات الحياة، وعدم التعلق المفرط بالأشياء، والرحمة تجاه الآخرين، وهي أفكار يمكن لأي إنسان الاستفادة منها بغض النظر عن معتقده.
لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون بوذيًا ليستفيد من هذه الأفكار، تمامًا كما لا يحتاج إلى أن يكون فيلسوفًا ليقرأ أفلاطون
ماذا عن الكارما؟
آمن بوذا بمفهوم الكارما، وهي كلمة تعني أن أفعال الإنسان لها نتائج. فكل فعل، سواء كان خيرًا أو شرًا، يترك أثرًا يعود على صاحبه.
وفي المعتقد البوذي، تؤثر الكارما في دورة الولادة الجديدة، إذ يُعتقد أن الإنسان قد يولد من جديد في صورة مختلفة بحسب أفعاله السابقة. لكن كثيرًا من الناس اليوم يستخدمون كلمة “كارما” بمعناها الأخلاقي العام، أي أن الإنسان غالبًا ما يحصد نتائج ما يزرعه من أفعال.
النهاية
ربما لم يصبح بوذا رمزًا عالميًا لأنه وعد الناس بحياة خالية من الألم، بل لأنه بدأ باعتراف بسيط: أن المعاناة جزء من كوننا بشرًا. وبعد أكثر من ألفي عام، لا تزال هذه الفكرة تجد طريقها إلى قلوب ملايين البشر، لأن البحث عن السلام الداخلي لا يرتبط بدين أو ثقافة، بل هو سؤال إنساني لا يتوقف.


طرح جميل. حتى لو كان الشخص لا يعتنق البوذية، يضل فهم تاريخها يساعد على فهم جانب مهم من تاريخ الأديان. حبيت توضيح أن بوذا ما كان يروّج لنفسه كإله، بس مع مرور الزمن صارت بعض التقاليد تنظر له بهاي الطريقة.
سبحان الله، كيف ممكن تجربة شخص واحد تأثر في ملايين الناس عبر التاريخ