لماذا يتحول بعض الضحايا إلى جلادين؟
"ليس كل من تعرض للأذى يصبح مؤذيًا، لكن بعض الجروح إذا تُركت دون علاج، لا تختفي… بل تبحث عن ضحية جديدة."
قد يبدو العنوان غريبًا للبعض، لكن هذا السؤال ظل يدور في ذهني لفترة طويلة. كنت دائمًا ألاحظ أن بعض الأشخاص الذين عاشوا الأذى في صغرهم يعيدون تكراره عندما يكبرون. فمثلًا، قد يصبح الطفل الذي نشأ مع أبٍ قاسٍ أبًا قاسيًا هو أيضا، وقد يتحول من تعرض للتنمر إلى شخص يمارس التنمر على غيره. عندها بدأت أتساءل: لماذا يحدث ذلك؟ ولماذا يبدو وكأن الألم لا ينتهي، بل ينتقل من شخص إلى آخر؟
يعتقد البعض أن من عرف الألم يستحيل أن يسببه لغيره، إلا أن علم النفس يقدم تفسيرًا أكثر تعقيدًا. فالإنسان يتعلم كثيرًا من سلوك من حوله، خاصة في سنواته الأولى. وعندما يكبر في بيئة يرى فيها الإهانة أو الضرب أو التسلط أمرًا طبيعيًا، فقد يحمل هذه السلوكيات معه دون أن يشعر. ليس لأنه وُلد شريرًا، بل لأنه لم يعرف طريقة أخرى للتعامل مع الغضب أو الخلاف.
وهناك سبب آخر لا يقل أهمية، وهو أن بعض الجروح النفسية إذا لم تُعالج، لا تختفي مع مرور الوقت، بل قد تتحول إلى غضب أو خوف أو رغبة في السيطرة على الآخرين. فالشخص الذي عاش سنوات يشعر بالعجز قد يحاول لاحقًا أن يفرض قوته على من حوله حتى لا يعيش ذلك الشعور مرة أخرى.
لكن في المقابل، هناك أشخاص مروا بالظروف نفسها، ولم يتحولوا إلى جلادين، بل أصبحوا أكثر رحمة وتعاطفًا. وهذا يثبت أن الألم لا يحدد مصير الإنسان، بل إن طريقة تعامله مع جراحه هي التي تصنع الفرق. فهناك من يجعل معاناته سببًا لإيذاء الآخرين، وهناك من يجعلها سببًا لحمايتهم من الألم الذي عاشه.
وهذا يقودنا إلى سؤال مهم: هل الضحية معذورة إذا أصبحت مؤذية؟
قد يفسر الماضي بعض التصرفات، لكنه لا يبررها. ففهم سبب السلوك لا يعني قبول نتائجه. وكل إنسان، مهما كانت ظروفه، يبقى مسؤولًا عن أفعاله عندما يصبح قادرًا على الاختيار.
في النهاية، لا يكمن السؤال الأهم في: لماذا يتحول بعض الضحايا إلى جلادين؟ بل في: كيف نمنع الألم من أن يتحول إلى أذى جديد؟ فالماضي قد يفسر ما حدث، لكنه لا يمنح أحدًا حق إعادة إنتاجه. إن كسر هذه الدائرة يبدأ عندما نواجه جراحنا بدلًا من أن نسلمها لغيرنا، وعندما نختار أن نحول المعاناة إلى وعي، لا إلى عنف. فالقوة الحقيقية ليست في أن ننجو وحدنا، بل في أن نمنع الألم من أن ينتقل إلى شخص آخر.


هذا المنشور يتقاطع مباشرة مع مدرسة "العلاج بالمعنى" لعالم النفس فيكتور فرانكل. وتحديدا فكرة ان الانسان قد لا يملك القدرة على اختيار المعاناة، لكنه يملك الحرية المطلقة في اختيار موقفه تجاهها. فمن يستقبل الالم بالوعي يخرج منه شخصية رحيمة وعطوفة تحمي الآخرين، ومن يستسلم لعجزه ينتهي به الامر كجلاد يعيد انتاج الاذى او يموت او يصاب نفسيا. انصحك بقراءة كتاب الانسان والبحث عن المعنى لمعرفة اعمق في مدرسة العلاج بالمعنى هذه.. ستعجبك ! ويمكن ان تجدي معنى حياتك 🌟🌹
توجد مقولة في معناها الجروح التي حدثت لك ليست مسؤوليتك ولكن مع الاسف التعافي منها هي مسؤوليتك الاولى