هل نحب الآخرين أم نمنحهم ما كنا نحتاجه؟
نحن لا نمنح الآخرين ما نملك دائمًا، بل ما نعرف قيمة غيابه
هناك مقولة جميلة جدًا، وهي التي جعلتني أكتب هذا المقال:
“أكثر الأحضان صدقًا تأتي من قلوبٍ لم تُحتضن.”
بمعنى أن الإنسان الذي عاش حرمانًا عاطفيًا، أو لم يجد من يحتويه ويحتضنه في أوقات ضعفه، يعرف تمامًا مرارة هذا الشعور. لذلك عندما يقدم الحب أو الدعم لغيره، فإنه يقدمه انطلاقًا من معرفة حقيقية بمدى أهمية ذلك الاحتواء. فهو لا يجامل، بل يمنح الآخرين ما تمنى دائمًا أن يحصل عليه.
عندما قرأت هذه المقولة، خطر ببالي سؤال: هل نحب الآخرين فعلًا، أم أننا نمنحهم ما كنا نحتاجه؟
لماذا نجد أشخاصًا يقدمون اهتمامًا كبيرًا رغم أنهم لم يحصلوا على الاهتمام نفسه؟ ولماذا يكون بعض الناس أكثر قدرة على الاحتواء والرحمة رغم أنهم عاشوا الحرمان؟
في كثير من الأحيان لا يكون العطاء مجرد تصرف عابر، بل انعكاسًا لتجارب عشناها. فالشخص الذي يطمئن الجميع قد يكون أكثر شخص احتاج إلى الطمأنينة، والذي يستمع إلى مشاكل الآخرين بصبر قد يكون قضى سنوات يتمنى أن يجد من يستمع إليه. وكأننا نحاول أن نعوض في حياة الآخرين ما لم نستطع الحصول عليه في حياتنا.
لكن هذا لا يعني أن ما نقدمه للآخرين أقل صدقًا، بل ربما يكون أكثر صدقًا. لأننا نعرف قيمة ما نعطيه. فنحن لا نقدم الاهتمام لأننا اعتدنا عليه، بل لأننا نعرف كيف يبدو غيابه. ولا نقدم الاحتواء لأننا حصلنا عليه دائمًا، بل لأننا نعرف ألم البحث عنه.
وربما لهذا السبب تكون بعض أشكال الحب مؤثرة إلى هذا الحد. فهي لا تأتي من أشخاص عاشوا حياة مثالية، بل من أشخاص عرفوا الألم جيدًا، واختاروا رغم ذلك أن يكونوا مصدر راحة لغيرهم. اختاروا أن يمنحوا ما افتقدوه بدلًا من أن يحرموا الآخرين منه.
وربما لهذا السبب يترك بعض الناس أثرًا لا يُنسى؛ لأنهم يحولون جراحهم إلى رحمة، وحرمانهم إلى عطاء. إنهم لا يمنحون الآخرين ما لديهم فقط، بل ما تمنوا يومًا أن يجدوه لأنفسهم. وأجمل ما في الأمر أن ما افتقدناه قد يصبح النور الذي نهدي به قلوب الآخرين.


الاشخاص الذين لم يذوقوا تلك المشاعر وعرفوا الحرمان. هم اكثر الناس احساسا بمعاناة من حولهم. فان قلت لاحدهم شيئا حدث لك، يضع نفسه مكانك ويشعر بمعاناتك ثم يواسيك بناءً على هذا. ليس مثل من يقول لك اي كلمات مواساة وهو اصلا لا يعرف معاناة ماتمر به. وهذا سبب آخر يجعلهم اشخاصاً يتركون أثراً لا يُنسى. فهم اكثر من يبعث الدفء، الراحه والامان في قلوب من حولهم. شكراً لمقالك الجميل الذي توصلين فيه كيف ان : “الايدي التي عانت من البرد الطويل والقاسي هي الاكثر قدرة على منح الدفء الابدي”
هؤلاء من يمثلون النقاء البشري حقاً.. ابدعت جزاك الله خيراً.
فاقد الشيء هو أكثر من يعطيه عندما يكون مدركًا لأهمية ما فقد
أسلوبك جميل وسلس🤍